مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
291
تفسير مقتنيات الدرر
وفسّر بعض أنّ المراد من ذكر النعاس في هذه الموضع كناية عن غاية الأمن قال الرازيّ : وهذا ضعيف لأنّ صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلَّا عند قيام الدليل المعارض . وقرئ « تغشى » بالتاء ردّا إلى « الأمنة » والباقون بالياء ردّا إلى « النعاس » محتجّا بأنّ النعاس بدل الأمنة والكناية إلى الأصل أحسن ، ويمكن ظنّهم بغير الحقّ كانوا يقولون : لو كان محمّد محقّا في دعواه لما سلَّط عليه ، وهذا غلط فاسد لأنّ المصالح في أحكام اللَّه جارية فلعلّ أن يكون للَّه تعالى في التخلية بين الكافر والمسلم حكم خفيّة ، هذا عندنا وعند المعتزلة . وأمّا عند أهل السنّة والجماعة « يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ » لا اعتراض لأحد عليه والمراد من قوله « ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ » ظنّ أهل الجاهليّة . * ( [ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ] ) * قيل : في معناه وجوه : الأوّل أنّ عبد اللَّه بن ابيّ لمّا شاوره النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في هذا الأمر أشار عليه أن لا يخرج من المدينة والصحابة ألحّوا عليه بالخروج فغضب عبد اللَّه عن ذلك فقال : عصاني وأطاع الولدان ثمّ لمّا كثر القتل في الخزرج قيل لعبد اللَّه : قتل بنو الخزرج . فقال عبد اللَّه : هل لنا من الأمر من شيء . يعنى أنّ محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله لم يقبل قولي حين أمرته أن لا يخرج من المدينة ، فحكاه اللَّه عنهم أي لو أطاعونا ما قتلوا ، وهو استفهام على سبيل الإنكار . الوجه الثاني أنّ من عادة العرب أنّه إذا كانت الدولة لعدوّه قالوا : عليه الأمر فقوله : « هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ » أي هل لنا من الشيء الَّذي كان يعدنا به محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله - وهو النصرة - شيء ؟ وهذا استفهام على سبيل الإنكار وكان غرضهم أنّ ما يعدكم به محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله كذب فأجاب اللَّه بقوله : * ( [ قُلْ ] ) * يا محمّد : * ( [ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّه ُ لِلَّه ِ ] ) * . ثمّ قال : * ( [ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ] ) * حال من ضمير « يَقُولُونَ » أي مظهرين أنّهم مسترشدون طالبون للنصرة مبطنين الإنكار والتكذيب * ( [ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ ] ) * كأنّه قيل : أيّ شيء يخفون ؟ فقيل : يحدّثون ويقولون بعضهم لبعض فيما بينهم خفية : « لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ » كما وعد محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله بالغلبة * ( [ ما قُتِلْنا هاهُنا ] ) * في المعركة . * ( [ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ] ) * ولو لم تخرجوا إلى أحد وقعدتم بالمدينة كما زعمتم